إمارة آدرار / بيير بونت



إمارة آدرار بيير بونت

ترجمة الدكتور محمد ولد بوعليبه بن الغراب

دكتوراه آداب من جامعة الصربون


تقديم المترجم


ترجمت دار النشر جسور إلى العربية حديثا ونشرت كتاب الانتروبولوجي الفرنسي بيير بونت المعنونإمارة آدرار (الموريتانية) الحريم التنافس والحماية في مجتمع قبلي صحراوي يجسد نشر هذا الكتاب مشروع دار النشر الرامي إلى تمكين جمهور ناطق بالعربية، أكاديمي وجامعي بالدرجة الأولى من النفاذ إلى أعمال مكتوبة باللغة الفرنسية وهي أعمال ليست في متناول القارئ الموريتاني كروايات الرحالة أو كالأعمال التي تعد حدثا في تطور البحث في مجال العلوم الإنسانية، والاجتماعية في موريتانيا.
فأما أعمال بيير بونت حول المجتمع البيظاني الموريتاني فهي معروفة لدى الجمهور المورتياني وقد قدم ملخص موجز لها باللغتين الفرنسية والعربية بمبادرة من هيئة التعاون الفرنسي.
يمثل الكتاب الذي بين أيدينا والذي نشر بالفرنسية سنة 2008 جزءا من أطروحة بونت الشهيرة التي قدمت سنة 1998. ويقدم هذا الكتاب للقارئ دراسة معمقة لظروف تكون وسير مجتمع البيظان كما يبدو من خلال إمارة آدرار التي هي إحدى المؤسسات السياسية الأصيلة التي تشكلت في القرن الثامن عشر في الفضاء الموريتاني الحالي والتي لا تزال تشكل أحد الأقاليم التاريخية والإدارية لموريتانيا المعاصرة.
تندرج هذه الدراسة في إطار التاريخ من خلال إثارتها لتطور المجتمع الآدراري منذ تكون الإمارة والظروف التي اكتنفت تلك النشأة. لقد حفز الغياب الملحوظ للأعمال التاريخية السابقة حول هذه المنطقة صاحب الكتاب على تطوير هذه المقاربة، ومع ذلك لا يتعلق الأمر بعمل المؤرخ الكلاسيكي من حيث أن العمل يعتمد أساسا على الرواية الشفوية الثرية التي جمعت بواسطة الكثير من المقابلات منذ بداية السبعينات، قرابة الآلاف من المقابلات!
لقد تعينت الاستعانة بأعمال أخرى من أجل استكمال المعرفة بهذا التاريخ ويتعلق الأمر خصوصا بالوثائق المكتوبة وخاصة منها الاقتصادية والقانونية المهملة في بعض الأرشيف العائلي. ومع ذلك فإن الرواية الشفوية وحدها تقدم توثيقا غزيرا ينفد مع تحول أنماط الحياة التي لا تتلاءم مع نقل الخطاب الشفاهي. وعليه فإنه يتعين القيام بأعمال مماثلة أخرى في مناطق أخرى من البلاد.
إن بيير بونت ولكونه انتروبولوجيا فهو يهتم مع ذلك وقبل كل شيء بالظواهر الاجتماعية وبخصوصيات هذه المؤسسات القبلية والسياسية التي تميز جنوب الصحراء. يهتم الباحث بالدرجة الأولى بالقبيلة التي هي المجموعة الأساسية التي ينتسب إليها الأفراد وهي المرجعية الأولى لهوياتهم. يقترح بونت قراءة أقل "تقادمية" من تلك القراءات التي ترتبط في العادة باستخدام هذه العبارة في التقيد العلمي الغربي. ومن أجل ذاك اعتمد مقاربة جديدة لتحليلات المفكر الكبير ابن خلدون وهي مقاربة تؤكد، بصرف النظر عن الرؤية الشكية والتثبيتية للنسب (النسب الذي يربط بالجد الأعلى في سلسة النسب) وبصرف النظر عن العصبية (التضامنات الذكورية الناجمة عن هذه العلاقة الجنيالوجية) على روح التنافس الخاص بالديناميكيات القبلية وقدرة هذه الأخيرة على الامتداد في شكل زعامات أو دول. يجد هذا التنافس أساسه في احترام السلامة الجنسية والزواجية للنساء والدفاع عن السلامة البدنية للرجال والتي تجد التعبير عنها في فكرة الحريم (الحقوق الممارسة والمحظورات التي يتوجب احترامها من قبل شخص أو مجموعة) وفي الشرف. هنا تجد التراتبات المنزلانية السياسية التي كان يتسم بها مجتمع البيظان بعض بوادر تفسيرها.
ومع ذلك فإن تشكل هذا المجتمع البيظاني هو خاضع للضرورات التاريخية. إنه ناجم أولا عن تلاقي وترابط الشعوب الصنهاجية وقبائل بني حسان العربية وهي الشعوب التي احتلت على التوالي الفضاء الرعوي الواقع جنوب الصحراء. شهد هذا التلاقي تحول أغلب سمات الثقافة الصنهاجية كتعريف القرابة وروابط النوع، المذكر والمؤنث كنتيجة للأسلمة وللعروبة التي شجعت الانتماء إلى أجداد عرب، تاريخيين كعقبة فاتح إفريقية أو أسطوريين كالشريف بوبزول. ومع ذلك فإن بعض السمات ظلت قائمة كوضع المرأة المعترف به في مجتمع البيظان ولغة البربر، آزناكة، التي يتخاطب بها حتى الآن.
سوف يستخدم هذا اللفظ آزناكة لا حقا، ومن دون أن تكون له دلالة أخلاقية للتعبير عن منزلة المحمي لجزء من القبائل التي تنزل نفسها منازل مختلفة. إن قيام إسلام سني مالكي هو عامل تاريخي آخر شجع تصورا محليا لمجتمع قبلي لا توجد فيه على الدوام دولة إسلامية ذات شرعية بالمفهوم الاسلامي حسب تأويل الزوايا، سمحت الوظائف الدنية بفضل ضوابط عرفية (دور الجماعة، جماعة الحل والعقد تعميم الدية العاقلة) من تصور المرجعية الإسلامية في سياق تطبعه السيبة فى نظر بعض الزاوية، أي غياب الدولة وسوف تبرر هذه الوظائف المكانة التي تحتلها قبائل الزوايا التي سوف تحتكر الاقتصاد والمبادلات.
إن تشكل إمارة آدرار يعني تأثير هذه المحددات التاريخية ولكنه يندرج أيضا في الديناميكية القبلية.
لقد زاد تطور ونمو علاقات الحماية من حدة التراتبية الاجتماعية وساهما في تشكل تراتبيات سياسية جديدة أكثر مما هي مجرد زعامات ولكنها لا تحمل كل صفات الدولة إذا كان بالإمكان تحديد نقطة صفر للدولة ذاتها. يعبر شكل الإمارة أيضا عن ميكانزمات توسيع التحالفات بين القبائل والتحالفات الثنائية التي تؤول إلى إقامة طائفتين متنازعتين كما يجسد ذلك  leff الليف المغاربي. هنا نجد السلطة والمعارضة في مواجهة، بمناسبة الاستخلافات، التي هي مصدر قلاقل سياسية التي يتحكم فيها في ظل ظروف أخرى أمراء عظام مثل (أحمد ولد عيده وأحمد ولد امحمد) أولئك الأمراء البارعون في فن التحالفات.
إن هذا التحليل لتشكل وتطور إمارة آدرار لا يستنفذ موضوع دراسة مجتمع البيظان في مناطق أخرى، شرقا وجنوبا عرفت نفس البنية القبلية أشكالا أخرى من التنظيم السياسي ومصائر تاريخية أخرى. إن أعمال بيير بونت تقدم إسهاما معتبرا في هذه الدراسة وهي تستحق أن تقدم للقراء الناطقين بالعربية والذين سوف يجدون فيها، ليس فحسب، مصدرا توثيقيا ثريا وشاملا بل إنهم سوف يجدون فيها أيضا بعض عناصر إشكالية وبعض عناصر منهجية لا يمكن إلا أن تساعدهم في تطوير تفكيرهم الخاص.




Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire