النقد الغربي والنقد العربي/ نصوص متقاطعة / محمد ولد بوعليبه بن الغراب


النقد الغربي والنقد العربي/ نصوص متقاطعة
الطبعة الجديدة 2012 دار النشر جسور
تأليف الدكتور: محمد ولد بوعليبه بن الغراب



تقديم الشاعر والاستاذ: ببهاء ولد بديوه.

أمام كتاب الدكتور محمد ولد بوعليبه بن الغراب"النقد الغربي والنقد العربي: نصوص متقاطعة" الصادر في السنة المنصرمة عن المجلس الأعلى للثقافة في جمهورية مصر العربية، بعد أن كان قد صدر منجما على صفحات مجلة "النادي الأدبي بجدة" "علامات" (الأعداد 43-45 و46 سنة 2002) وبعد أن كان قد نشر باللغة الفرنسية في باريس سنة 2000 من خلال دار  L’Harmattan الشهيرة. يطل علينا الكتاب من جديد  2012 من خلال طبعة أنيقة صدرت عن دار نشر جسور.
أمام مثل هذا الكتاب لا يستطيع للمرء إلا أن يقف متهيبا وهو يحاول أن يقدمه إلى القارئ العربي.
فالكتاب يأخذ بقارئه في متاهات المسالك الوعرة للفكر النقدي الغربي والعربي أو كما يقول الدكتور صبري حافظ في مقدمة اللامعة التي أتحف بها الكتاب في ترجمته العربية، فإن الدكتور محمد ولد بوعليبه "يتنكب طريق البدايات التقليدية ليغامر بدراسته الشيقة في أفق جديد مفتتحا لنفسه وللنقد العربي طريقا جديدا ومساقا متميزا"، الأمر الذي يستوجب "الاحتفال بمثل هذا الكتاب الجديد والجاد في نفس الوقت بكل ما تدل عليه كلمتا الجدة والجدية من معاني.
وكما تتمثل جدة الكتاب في موضوعة الشيق ومنهجه المتميز فإن جديته، كما يقول الدكتور حافظ- في حسن تعامله المؤلف مع مادته "بصرامة منهجية ودقة موضوعية وبصيرة نقدية تستحق التوقف حيالها بإعجاب" خصوصا إذا ما علمنا أن الكتاب يأتي من بلد لم تتركز في  الذاكرة العربية إنجازاته الثقافية؛ ألا وهو  موريتانيا.
ويشيد الدكتور حافظ بمدى الفاجأة التي صادفته أثناء قراءته لهذا "النص الشيق" والتي تتمثل في معرفة المؤلف الواسعة واطلاعه الدقيق على إنجازات الفكر النقدي عامة والعربي منه خاصة، حيث يؤسس دراساته هذه فوق آخر إنجازاته في المشرق والمغرب، وإنطلاقا "مما انتهت إليه استقصاءات إبرز اعلامه في النظرية والتطبيق "وكأن غايته في اعتقادي- يقول صبري حافظ- هي أن يضيف جديدا إلى هذا النقد لا أن يكرر ما سبق أن حققه غيره من النقاد في سائر أرجاء الوطن العربي.
والكتاب كما يتجلى من عنوانه، يعالج موضوعا هو في الصميم من اهتمامات الأدب المقارن، ولكنه يتجاوز موضوع الصلات الأدبية على المستوى الإبداعي، ليعالج موضوعا قد يكون أكثر طرافة؛ ألا وهو الصلات الأدبية على المستوى النقدي.
ومفهوم مصطلح "التقاطع" الوارد في العنوان الفرعي هو من المفاهيم الأثيرة عند بارت؛ إنه مجاز لغوي قائم على التشبيه لما يكون بين النصوص الإبداعية من تداخل وتواشج بما يكون من تقاطع بين النير والسدى في خيوط النسيج؛ فهو إذن من مفاهيم النقد الجديد (nouvelle critique -New- ctiticism) في الغرب الذي اسقط أولية الكاتب ليحل محلها أولية النص.
وإذا كان مفهوم التقاطع عند "بارت" مطبقا على النصوص الإبداعية لابراز ما فيها من تواشج ثم لتشخيص الفروق الفكرية التي تميز الكتاب بعضهم عن بعض فإنه عند المؤلف مطبق على النصوص النقدية.
فالكتاب إذن مساهمة في دراسة الخطاب النقدي، وهو مجال يكاد يكون بكرا في الدراسات الأدبية العالمية كما يشير إلى ذلك إيف شيفريل في كتابه (Precis de la littérature comparée) قائلا "إن الاعمال النقدية التي تتجاوز الحالات الفردية لتهتم بالخطاب النقدي نفسه ببنيته وخصائصه غير موجودة عندنا حتى الآن، وما كتاب "نقد النقد" لتودوروف إلا سرد لمسيرة شخصية، وإنما يعود السبب في ذلك إلى طغيان الاهتمام بدراسة الأدب على دراسة النقد وهو الاهتمام الذي ظل يغلب على الدراسة الأدبية منذ فترة طويلة. وقد يكون مثار الاهتمام بهذا الكتاب راجعا إلى ما يتميز به من قوة في التحليل يتجاوز بها المؤلف نقد النقد باتجاه نقد الأسس الفلسفية والعلمية التي يقوم عليها هذا النقد.
ومع أن المؤلف ينطلق في بحثه من مدونة محدودة هي نصوص النقد العربي التي كتبت خلال عقدي السبعينات والثمانينات، ويركز بشكل خاص على نصوص كل من خالدة سعيد ويمنى العيد كنماذج ممثلة لاستقبال واستيعاب مفاهيم النقد الوافدة من الغرب في الثقافة العربية، فإن ذلك لا يعني أن الكتاب محصور من حيث موضوعه في هذه النصوص أو في هاتين الشخصيتين، فالمؤلف إنما ينطلق من هذه المدونة المحدودة ليؤصل وبجذر ما بها من مفاهيم وافكار تتصل بينابيعها الفكرية عبر انحداراتها في سفوح الزمن على امتداد خمسة عقود. فاختيار هذه المدونة إنما ياتي كضرورة منهجية.
يقع الكتاب في 278 صفحة من الحجم المتوسط ويتألف- بعد مقدمة للدكتور صبري حافظ- من تمهيد وسبعة فصول فخاتمة، يبرز المؤلف في التمهيد ما كان من "احتكاك" أن لم نقل "تصادم" بين الحضارة الأوروبية الحديثة والحضارة العربية العتيقة، منذ حملة نابليون، وما كان لذلك من انعكاس على الوعي الجماعي العربي؛ إذ نتج عن هذا التصادم أن أصبح العرب يعون حاضرهم المتخلف، مقارنة بماضيهم المزدهر، ومقارنة بما عليه الحضارة الأوروبية من تقدم في جميع الميادين ومن هنا فقد أصبحت نموذجا ومعيارا للتقدم لا في المجالات التقنية وإنما في المجالات الجمالية مما خلق نوعا من الذوق الجمالي الجديد، متأثرا بالغرب، وقد استصحب ذلك انتقال بعض المفاهيم الفكرية الغربية مثل مفهوم الحداثة والنسبية والتاريخية.. مما جعل المفاهيم العربية الموروثة موضع نقد وتساؤل بالنسبة للتفكير النقدي العربي، كما يؤكد ذلك المسدى حين يقول: "إن النقد لا يمكن أن يتجدد إلا إذا جدد نظامه المفهومي، أو قل أنه لا يتحول إلى حداثة نقدية إلا عندما يستحدث جهازا معرفيا يباشر به النص الأدبي مثلما لم يباشره به السابقون".
كل هذا بالإضافة إلى ما عرفه الأدب العربي خلال هذا القرن من تطور في أجناسه الأدبية وفي أشكاله ومضامينه نتيجة تأثره بالثقافة العربية وما استتبع ذلك من نقل للمفاهيم والأفكار النقدية الغربية جعل من الضروري في رأي المؤلف أن تكون دراسة الأدب المقارن أكثر تطورا مما هي عليه الآن في معظم الجامعات العربية.
بعد هذه التمهيد يعطي المؤلف في الفصل الأول لمحة عن النقد الجديد في الغرب عامة وفي فرنسا خاصة، هذا النقد الذي شكل منذ بداية الستينات قطيعة معرفية مع النقد الجامعي الذي كان غارقا في الظروف المتعلقة بحياة الكاتب كوسيلة لفهم النص الإبداعي، على طريقة "سانت بوف" و"لانسون وبرونوتيير"…
إن هذا النقد الجديد يتوازى من حيث الظهور في مراحله الأولى مع تشكل العلوم الإنسانية التي جاءت ثورة على معارف القرن التاسع عشر، ويتمثل ذلك في كل من سوسيولوجية لو كاتش وغولدمان وباختين
وفي الاتجاهات المتأثرة بالدراسات الالسنية البنيوية التي يلخصها المؤلف في اتجاهين أساسيين:
أ-الشعرية: التي تهتم في الأساس بما تسميه "أدبية الأدب": أي الخصائص المجردة التي بها يتميز النص الأدبي عما سواه من النصوص؛ ويمثل هذا الاتجاه كل من جاكبسون وتودوروف وجينيت.
ب-السيميائية التي تركز اهتمامها على النص باعتباره بنية من الوحدات اللغوية الدالة التي يتولد عنها المعنى ومن ثم تلغي المرجع الخارجي كموجه لدلالة المعنى.
بعد هذه اللمحة في الفصل الأول عن النقد الغربي، يبرز المؤلف في الفصل الثاني ما عرفه الأدب والنقد من تطور في الوطن العربي منذ بداية القرن العشرين وهي الفترة التي عرفت فيها الأمة العربية احتكاكا مكثفا مع الغرب استعمارا وثقافة. فقد أصبحت معظم الأقطار العربية، آنئذ، تحت نير الاستعمار الغربي، وأصبح التعليم الأكثر انتشارا هو التعليم الذي ترعاه الدول الغربية عن طريق البعثات أو عن طريق المدارس التي بدأت تغرسها الإدارة الاستعمارية أو الإدارات المتعاونة معها في أهم مدن الوطن العربي. وكان من نتيجة ذلك أن أصبح في المتناول أن يطلع الأدباء العرب على الآداب الغربية في لغاتها الأصلية أو عن طريق الترجمة، مما أدى إلى تأثر الأدب العربي واحتذائه لهذه الآداب في كثير من اشكالها وموضوعاتها، فظهرت الرواية والقصة والمسرحية بأشكالها الغربية، وأخذ الشعر يجدد في مضمونه وفي صياغته الموسيقية..
لقد كانت الترجمة هي الموطِّئ لظهور هذه الأجناس الأدبية، ثم لما عرفه الشعر من تجديد في شكله ومضمونه، فكان من الطبيعي أن يتبع ذلك دخول النقد الذي تبلور مع هذه الأجناس في بيئاتها الغربية. وهكذا بدأت دراسة الأدب في الجامعات العربية تتأثر بطرائق الدراسة الأدبية في الجامعات الغربية، فكان أن ظهر النقد الفرنسي متمثلا في النقد الكرتزياني والنقد اللانسوني ونقد نين وبروليتير، كما نجد عند طه حسين ومحمد مندور، ثم النقد الانجلو ساكسوني متمثلا في نقد ووردزوورث (Wordsworth) وكولوريدج وويليام هازلت كما نجد عند جماعة الديوان.
ولا يفوت المؤلف أن يبرز مدى صلة هذا التطور والتجديد في الأدب والنقد بالمجتمع. فإذا كان الأدب أكثر تجاوبا مع ما يعانيه المجتمع من مشاكل ومآس، فإن الغالب علي النقد هو الطابع النخبوي ويرجع ذلك إلى الخلفية الفلسفية التي عليها يتكئ هذا النقد.
لقد كان النقاد يطبقون بحرفية مبادئ المدارس التي ينتمون إليها، مغفلين أن دور الأدب في البلدان الغربية ليس هو الدور الذي ينبغي أن يكون في البلدان العربية، ومن ثم لم يستطع النقاد العرب في هذه الفترة بناء مشروع نقدي وهو أمر يرجع في نظر المؤلف إلى عدم استيعاب النقاد لأفق التحري عند قرائهم.
ومع بداية الخمسينيات إبان فترة المد الاشتراكي بدأ الأدب يتأثر بالاتجاهات الثورية ذات المشارب الماركسية التي كانت رياحها تخترق العالم آنذاك، ومن ثم فقد اجتذب النقد الماركسي بعض النقاد العرب، فبدأت تظهر تطبيقاته عند كل من محمود أمين العالم وعبد العظيم أنيس وحسين مروة ومحمد دكروب وكل هؤلاء كان ينطلق في ممارسته النقدية من نظرية "الانعكاس".
وفي أواخر الخمسينيات وبداية الستينات عندما أخذ الأدب العربي يكتشف الاتجاهات الرمزية والذهنية في الأدب الغربي ويتأثر بها. كان على الدراسة الأدبية أن تجد آليات نقدية أكثر تلاؤما مع هذه الاتجاهات الجديدة فكان أن ظهرت المناهج التي تعتمد نقد الأدب من الداخل دون أهتمام بالظروف الشخصية والاجتماعية والبيئية التي تكتنف ظهور النص الأدبي. إنها المناهج التي تستقي طرائقها في مباشرة النص الأدبي من مناهج الدراسات الالسنية الحديثة وخاصة البنيوية. ويشير المؤلف وهو يتحدث عن استقبال البنيوية في الاقطار العربية إلى بعض النقاط التي ينبغي التنبه إليها فمن ذلك:
-أن النقاد العرب قد وجدوا في النقد البنيوي الاتجاه الأقرب إلى تراثهم النقدي ومن هنا كانت محاولات يمنى العيد وكمال ابوديب مقارنة مع ما قدمه الجرجاني والخليل بن أحمد بما قدمته الدراسات البنيوية في الغرب.
-أن استقبال النقد الأدبي الغربي لم يعد محصورا في بعض الأقطار العربية في المشرق، وإنما أصبح يستقبل في معظم الأقطار العربية مشرقا ومغربا، مما أدى إلى أن يصبح انتشاره وتطوره مفتقرا إلى التكافؤ والتناسق، فقد أصبح النقاد لا يعرفون ما يقوم به زملاؤهم كل في قطره، وقد نتج عن ذلك ما نتج من بلبلة في ترجمة المصطلحات، الأمر الذي يصيب القارئ بالحيرة والضياع وهو يقرأ نصوص هذا النقد الجديد.
وللتمثيل على كيفية استقبال النقد الغربي في الوطن العربي يخصص المؤلف الفصول المتبقية من الكتاب لدراسة الإنتاج النقدي عند كل من يمنى العيد وخالدة سعيد، مبرزا مراحل التطور في مسيرة إنتاجهما النقدي، الأمر الذي يمكن أن يعطينا تصورا موحيا عن مختلف التحولات التي عرفها الأدب والنقد العربيين وعن مختلف التيارات النقدية المتأثرة بالغرب. وهكذا يخصص المؤلف الفصل الثالث للنقد الذي رافق حركة الشعر الجديد من خلال كتاب خالدة سعيد "البحث عن الجذور" مبرزا مختلف التأثيرات التي عرفتها هذه المرحلة من نقدها، والتي كانت مكرسة في الأساس لمواكبة حركة الشعر الجديد. ومن هنا فقد استفادت من أولئك النقاد الغربيين الذين خصصوا جزءا كبيرا من تنظيراتهم النقدية للشعر مثل إليوت وسوزان برنار.
وفي الفصل الرابع يبرز المؤلف أولى مراحل المسيرة النقدية عند يمنى العيد التي بدأت متأثرة بالنقد الماركسي في كتاباتها الأولى، ثم تطورت باتجاه البنيوية. لقد بدأ اثر النقد الماركسي واضحا فيما بدأت تنشره منذ السبعينات من كتاباتها؛ مثل "دراسات نقدية" المنشور سنة 1975 وكذلك أطروحتها: "الدلالة الاجتماعية لحركة الأدب الرومنطيقي في لبنان ما بين الحربين (1900-1945)".
وهكذا يبرز المؤلف مدى تأثرها بفكر ماركس وأنجلز من حيث مفهوم الواقعية التي يمكن تعريفها انطلاقا من ذلك الفكر بأنها "القدرة على استجلاء موازين القوى المتصارعة بين طبقات المجتمع"، ومن هنا تأخذ على الرومنطيقيين في دراستها الآنفة الذكر-وهي فيها متأثرة بدراسة لينين حول تولستوي- أنهم لم يتسطيعوا القبض على أسباب صراع الطبقات الاجتماعية فوقعوا بسبب ذلك في المثالية والرجعية. إنها تنطلق من رؤية نقدية ذات بعدين: إن للعمل الأدبي خصوصيته اللغوية وعلاقته بالمجتمع المتمثلة في القدرة على عكس الواقع. وهو ما لم يتبلور لدى هؤلاء الرومنطيقيين الذين كانوا يصفون المجتمع وكأنهم يحملون مشروعا واقعيا. وليس هذا التصور ببعيد عن تأثير لوكاتش الذي يرى أن الواقعية ليست اتجاها أدبيا كغيره من الاتجاهات التي تظهر وتختفي عبر الأزمنة، وإنما هي دائما "أساس كل أدب". ولا يفوت المؤلف أن ينبه إلى الصعوبات التي تواجهها الناقدة عند استغلالها لمفاهيم هذا النقد، من ذلك مثلا أنها تهتم بالشعر بشكل خاص وليس من السهل أن يتجلى انعكاس البنى الاجتماعية من خلال الشعر مثلما يتجلى ذلك في الرواية التي طبقت عليها مفاهيم هذا النقد بنجاح. وإنها اتجهت إلى الرومانسية وليست الرومانسية هواية واقعية.
في الفصل الخامس يبين المؤلف كيف اتجه نقد خالدة سعيد إلى النقد الجديد في الغرب كي يجدد آلياته في مقاربة النص الأدبي.
ومع أنها ظلت وفية لإليوت في نقدها متأثرة بنظريته في الأصوات التي يفرق فيها بين ثلاثة أصوات في الشعر:
أولها صوت المسرح، وثانيها صوت الشاعر الذي يواجه الجمهور الصغير أو الكبير، وثالثها صوت المسرحية، واستغلت تلك النظرية في هذه المرحلة من مسيرتها النقدية عند ما درست قصيدة أدونيس (هذا هو اسمي)، فرأت أن الصوت الثاني صوت الشاعر يهيمن عليها، فإنها بدأت- عند ما توجهت إلى فرنسا في السبعينات لاستكمال دراستها الأكاديمية – تستفيد من مصادر أخرى لبناء إطار نقدي خاص بها، فاتجهت إلى البنيوية تستلهم مفاهيمها وتطبقها في دراساتها النقدية، كما نجد في تحليلها لقصيدة إبراهيم ناجي "الغريب" وهو تحليل يتضح فيه مدى تأثرها بنظرية "الاتصال" عند جاكبسون، كما عرضها في كتابة "دراسات ألسنية". كما تستفيد من مفهوم التوازي عنده، وتحاول أن تطبقه بإلحاح على قصيدة بدر شاكر السياب "النهر والموت" مظهرة فيها ما تسميه توازيا موضوعاتيا في "الشعر الحر".
وفي ذلك انحراف بالمفهوم عن مجالاته التي طبق فيها عند كل من جاكبسون وليفي استراوس ونيكولا ريفي حيث ارتكزت تلك التطبيقات على أشكال التوازي القائمة بين القوافي والصيغ التركيبية في الشعر العمودي المقفي.
إن النقد الموضوعاتي (THEMATIQUE) الذي يمتزج في دراساتها هذه مع مفاهيم النقد البنيوي، إنما هو منبثق عن الوجودية التي جاءت البنيوية ثورة عليها.
إضافة إلى ما تقدم تستعيد خالدة سعيد بعضا من مفاهيم (TEL QUEL)، وذلك حينما تدعو إلى القراءة الديناميكية التي تتطلب نشاطا من طرف القارئ وترفض مفهوم الكاتب وتستبدله بمفهوم "راسم النص" (SCRIPTEUR).
إن القراءة الديناميكية التي تسمح للقارئ بالولوج إلى ميكانيزمات النص الأدبي، فإذا كان المؤلف هو مبدع النص فإن القارئ هو مبدع المعنى.
ولا يخلو نقدها في هذه المرحلة من بعض المفاهيم الرومانسية؛ أو ذات الصلة بنقد الأدب من المنظور النفسي مثل مفهوم (الحلم) و(اللاوعي) و(النماذج البدئية) (ARCHETYPES) و (دافع الموت) و(دافع الحياة).. كما في دراساتها "الحركة والدائرة" و"حركية الابداع" و"صراع اللغة واللالغة".
ومن هنا يمكن القول أن نقدها في هذه المرحلة يصدق عليه ما وسم به المؤلف هذا الفصل: "البنيوية التلفيقية عند خالدة سعيد".
إن يمنى العيد هي الأخرى قد سلكت نفس المسلك حينما اتجهت من الماركسية إلى البنيوية كما يعرض المؤلف في الفصل السادس والسابع، فانطلاقا من مواقفها الماركسية حاولت أن تجعل مركز اهتمامها الحركة الداخلية للنص الأدبي.
وهكذا أخذت تتجه في مقارنتها لخصوصية النص الأدبي إلى "منهج القول" (MODALITE   DU   DIRE).
والمبدأ الأساسي الذي ستطوره في دراساتها النقدية؛ هو أن هناك علاقة بين التعبير الأدبي، والظرفية الاجتماعية وهو مبدأ مأخوذ من فكرة باختين التي صاغها في كتابه "الماركسية واللغة"؛ فالكلمة عنده تعكس انزلاقات الوجود الاجتماعي التي يصعب إدراكها".
ومن هنا ترفض اعتبار النص ظاهرة منفصلة عن المحيط الاجتماعي هذا في الوقت الذي ترى فيه النص بنية لها قوانينها الداخلية التي ينبغي أن تكون دراسته النقدية منبثقة عنها، فإبراز تلك القوانين هو وحده الذي يسمح بإبراز المعنى، وبهذا التكامل بين الشعرية والتأويل يمكن في نظرها للماركسية أن تستوعب المفاهيم البنيوية.
وهكذا تحاول ربط بنية النص الأدبي بالمحيط الاجتماعي مستهدية في هذا السبيل بمفاهيم سوسير وباختين وتودوروف التي لا يخلو تقديم الناقدة لها وكذلك استغلالها في دراساتها من ضبابية أو عدم فهم كلي أو جزئي.
ويستنتج المؤلف في الخلاصة العامة لدراسته أن استيعاب الفكر النقدي الغربي عند هاتين الناقدتين لم يكن صلبا ولا كافيا، وأن مناهجهما النقدية كانت تلفيقية واهية. ولكنهما مع ذلك- وهذا هو المهم- قدمتا محاولة نقدية جديدة تم اختيار أدواتها من فكر موحد ولم يكن يهم الناقدين أن تأخذ منه إلا ما يلائهما، وليس من الضروري، كما يؤكد المؤلف؛ أن يكون الاستيعاب مرادفا للنقل أو المحاكاة.
فكلتا الناقدتين استعملت مفاهيم النقد الغربي انطلاقا من أفقها الخاص وهو أمر ربما يكون منطبقا على كل نقد عربي متأثر بالغرب.



 

Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire