موريتانيا من 1900 إلى 1975 / أفرانسيس دي شاسي

أفرانسيس دي شاسي: موريتانيا من 1900 إلى 1975.
ترجمة الدكتور محمد بن بوعليبة بن الغراب
تقديم المترجم



نشرت دار النشر جسور حديثا ترجمة الدكتور محمد ولد بوعليبة بن الغراب إلى العربية للمؤلف فرانسيس دي شاسي: كتاب موريتانيا من 1900 إلى 1975. وكان الكتاب قد نشر لأول مرة من طرف كاتبه سنة 1978 .  وقد ساهم في طباعة هذه الترجمة كل من التعاون الفرنسي في موريتانيا وجامعة نواكشوط.
إن ترجمة هذا الكتاب مفيدة في نظرنا للقارئ الناطق بالعربية. وهي تأتي بعد ترجمة كتاب إمارة آدرار لكاتبه بيير بونت والذي كان قد نشر سنة 2012 لدى دار كارتلا. لقد كرس الانتروبولوجي بيير بونت دراسات مطولة للبنيات الاجتماعية والسياسية الموروثة عن العهد قبل الاستعماري (الإمارات) وقبل الاستعماري. وقد كان العمل الذي قدمه حول إمارة آدرار يقع في منطقة التماس ما بين الانتروبولوجيا والتاريخ وكان يتناول في شكل أحادي الموضوع معظم القضايا الكبرى التي تهم مجتمع البيظان من حيث إرثه منذ فترات تاريخية قديمة ومن حيث التحولات التي يشهدها الآن.
إن فرانسيس دي شاسي باحث في علم الاجتماع ومهتم بالنظام التربوي وتشكل "النخب" في موريتانيا خلال مرحلة الاستعمار والعقدين اللذين عقبا الاستقلال. ويقدم كتاب دي شاسي عرضا شاملا للبحوث الاجتماعية، وهي في الحقيقة لا تزال قليلة في مرحلة الاستعمار هذه، وفي المرحلة التي سبقت الاستقلال مباشرة وهو يقدم نظرة جديدة عن بلد لم يكن معروفا إلا من خلال الأعمال التي نشرت خلال المرحلة الاستعمارية وهي قليلة هي الأخرى.
لقد جعل التعليمُ الذي يقدمُ بالدرجة الأولى في هذا البلد بشكل متزايد باللغة العربية حتى في الجامعات، جعل من الصعب على الباحثين الوطنيين الولوج إلى أعمال ساهمت، مع ذلك بشكل كبير في وضع النماذج النظرية التي يعتمدون عليها في بحوثهم الخاصة. وبصفة عامة فإن المنشورات باللغة العربية لا تزال ناقصة وهي التي من شأنها أن تسهل عليهم استخدام المفاهيم والمناهج المتداولة في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن هذه الملاحظة هي التي كانت وراء فكرة مشروع ترجمة الكتب المكتوبة باللغة الفرنسية عن موريتانيا عله يساهم في كسر حاجز اللغة وفي تطوير البحوث الوطنية في هذه المجالات.
 إن الهاجس الذي يحفزنا على هذه الترجمات هو أن تضع في متناول الباحثين والقراء بصفة عامة المراجع العلمية المكتوبة حول موريتانيا من قبل جامعيين فرنسيين. وإن أهمية هذه الترجمات تكمن أولا في اكتمال المعلومات التي من شأنها أن توفرها حول البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية للباحثين الموريتانيين والناطقين بالعربية والطلاب المهتمين بالبحوث حول بلدهم والحريصين على الإسهام في تنميته.
يقدم الجزء الأول من هذا الكتاب الثاني نوعا من علم الاجتماع التاريخي عن الاستعمار الفرنسي في موريتانيا، مبادئه، تأثيراته وتأثيراته الاجتماعية المضادة (المقاومة، التوافقات، والتحولات). أما الجزء الثاني فيحاول أن يقدم دراسة اجتماعية عن هذا المجتمع الجديد المستقل الذي بدأ مسيرته مثل بلدان أخرى في ذلك العهد. وهو يحلل التناقضات التي عليه أن يتجاوزها رغم الإمبريالية الاقتصادية خاصة والتي لا تزال مستمرة في أشكال أخرى: النمو الغير متوازن لاقتصاده مع ميفرما Miferma ، في بناء دولة مستقلة مع ما يصاحب ذلك من تطور لنظامه وإديولوجيته: السياسة الحيوية للتعليم، نتائجها ومعوقاتها والصراعات الاجتماعية التي تثيرها في النهاية كل هذه القضايا وخاصة الانقسام الاثني العنيف في صفوف أبناء المدارس والموظفين في سنة 1966 حول التعليم الإجباري للغة العربية.
ثم بعد ذلك اتحاد الشباب والعمال ضد الامبريالية الرأسمالية الأجنبية في نطاق الحركة الوطنية الديمقراطية وفي حزب الكادحين مساهمين بذلك في الإصلاحات التقدمية والاستقلالية الهامة في السبعينات.
يقوم الكاتب في الجزء الأول بتحليل قاس للاستعمار الفرنسي بالمعنى الحصري للكلمة الذي انتهي لتوه وللإيديولوجية الاستعمارية في إطار الإمبريالية الاقتصادية والسياسية والثقافية بالمعنى الفني الدقيق للكلمة. يتوقف الكاتب بشكل مطول على الدراسات الانجلوساكصونية المنشورة في الفترة ما بعد الاستعمار والتي لقيت رواجا بعد ذلك بعقدين من الزمن. يذكر دي شاسي بأن هذه الدراسات لم تحظ بالقبول من طرف أغلب الإداريين والضباط الاستعماريين الذين لا يزالون كثرا ونافذين في ذلك العهد. بالإضافة إلى ذلك فإن الكاتب يعتمد المنهج "الماركسي" بشكل صريح فهو بالنسبة له واحد من المناهج القلائل التي تسمح بالتحليل الشامل للمجتمع في كل أبعاده وقد خلص البعض ممن لا يميزون بين الماركسية والشيوعية ومن دون قراءة نقدية دقيقة أن ذلك ينتقص سلفا من قيمة التحاليل التي قيم بها.
إن الكتاب في مجمله هو تحليل دقيق لتطور البنيات الاجتماعية في موريتانيا والتأثير الاستعمار على المجتمعات التقليدية ولظاهرة التخلف الذي ينظر إليه هنا باعتباره رديفا للاستعمار وللإمبريالية.
في هذا الكتاب يحلل دي شاسي الأسباب العميقة لتخلف المجتمعات قبل الرأسمالية في إفريقيا الغربية التي كانت تحت هيمنة الاستعمار الفرنسي (ويأخذ موريتانيا نموذجا لها). وقد مُنِحت مكانةٌ "زائدةٌ " حسب تعبير الكاتب للتعليم للتعليم " الذي ينظر إليه عادة على أنه مؤسسة لإعادة الإنتاج وينظر إليه هنا بامتياز كمؤسسة للترقية الاجتماعية. سوف يجد القارئ في هذا الكتاب تحليلا مفصلا لتطور النظام التربوي منذ بداية الاستعمار حتى سنة 1975 كما سيجد تحليلا للسياسات المختلفة التي اعتمدت في هذا المجال من طرف المستعمر ومن طرف قادة الدولة بعد ذلك أو الدولة "الاستعمارية الجديدة" حسب تعبير الكاتب.
يعرض دي شاسي، اعتمادا على مراجع ووثائق غنية بالمعلومات السياسة الاستعمارية اتجاه اللغة العربية والتعليم التقليدي بصفة عامة كما يعرض الجهود التي قام بها المستعمر من أجل محاصرة و"توجيه" الإسلام وسياستي الإدماج والاشتراك اللتين تندرجان في نفس السياق. ذلك ما يسميه الكاتب التأثير الإيديولوجي للاستعمار والذي سوف يكون له بدوره تأثير على وظيفة البنيات التقليدية وبالتالي على الحياة السياسية للمجتمع.
وقد اعتمد المستعمر من أجل أن يتغلغل في هذه المجتمعات سياسة انتقائية في التعليم: يقول كارد Carde "لنعتبر التعليم شيئا ثمينا لا يوزع إلا بتبصر وحكمة، ولنقصر فوائده على مستفيدين ذوي أهلية لذلك. لنختر تلاميذنا أولا من بين أبناء الشيوخ والأعيان. إن المجتمع المحلي متراتب بشكل كبير والطبقات الاجتماعية تحددها الوراثة والتقاليد بشكل واضح. وسلطتنا تعتمد عليها لإدارة هذا البلد" (تعميم كادر Carde  1924.).
انطلاقا إذن من الطبقة القيادية التقليدية ومن خلال المدارس استطاع المستعمر أن يكوّن معاونيه أي حلفاءه وخلفاءه، إن هذه المدارس "تُعِدُّ على المدى البعيد شيئا ما شيوخا وموظفين يشاركون في سلطتنا وينبغي أن يكونوا أعوانا مؤتمنين إنها (المدارس) تصون أو تشكل ارستوقراطية بالولادة بالفكر والسلوك". ج. هاردي (G. Hardy)  "نحن بحاجة إلى سكان محليين ينتمون إلى الأوساط المحلية من خلال أصولهم وينتمون إلى الوسط الأوروبي من خلال تربيتهم" دلافوس. (Delafosse)..
غير أن هذه الطبقة القيادية الحليفة للمستعمر والضامنة لمصالحه ليست مع ذلك منحدرة بشكل استثنائي من الأرستقراطية القيادية التقليدية. إنها تتشكل أيضا من العمال التابعين للإدارة الاستعمارية "سوف نرى أنه خلافا لما يبدو أنه حصل في أماكن أخرى، أن الإدارة سعت جاهدة إلى اكتتاب وكلائها خاصة لدى البيظان من العائلات التقليدية للشيوخ والأعيان وقد سهرت بشكل خاص على تربيتهم الإيديولوجية. لقد تم تعزيز دور الوسيط الذي تكفله لهم وظائفهم. غير أن ذلك كان بالنسبة لبعض العائلات الأخرى مناسبة للوصول إلى الرئاسة أو إلى منزلة الأعيان على حساب عائلات أخرى كان لها أن ترثها بفعل العادات التقليدية. ذلك لأن وسطاء السلطة الاستعمارية الأكثر تواضعا ليسوا هم الأقل أهمية شريطة أن يكونوا الأكثر إخلاصا والأكثر معلومات (استخباريةدي شاسي.
أما على المستوى الاقتصادي فإن المرحلة الاستعمارية تميزت بغياب الاستثمار. فمن جهة ينص قانون 13 ابريل 1900 على أن على كل مستعمرة أن تتدبر أمرها من أجل "التكفل بأعبائها المدنية وتلك التي يتطلبها أمنها" ومن جهة أخرى لم تكن موريتانيا يعتبر إلا مجرد "خطوة هدفها ضمان أمن بلاد الزنوج ثم المحمية المغربية ولم يكن ينظر إليها كمستعمرة بحاجة إلى استثمار"، "يتمثل عملنا الاقتصادي أساسا في تأمين حاجياتنا" يقول أحد الإداريين الفرنسيين. سوف تؤدي هذه السياسة الاقتصادية من جهة إلى تفقير الشعب بالضرائب والهجرة إلى المدن طلبا لعمل مدفوع الأجر (من أجل تسديد الضرائب) والإنفاق على الأسرة) وإدخال العملة والعلاقات التجارية، ومن جهة أخرى إلى إثراء الطبقة التي تحظى بمعاملة متميزة من قبل المستعمر: أي المتعاونون معه وهم رؤساء القبائل ورؤساء المقاطعات ورؤساء البطون والأعيان.
سوف تشكل هذه الطبقة المكونة والمدعومة من قبل المستعمر بعد الاستقلال الطبقة البيروقراطية الحاكمة التي تحتكر الحياة السياسية والاقتصادية للبلد. "يمكن تعريفها أيضا بأنها أقلية ضيقة تنحدر من الطبقات العليا للمجتمعات التقليدية المكونة من طرف المستعمر والتي تلعب دور الوسيط الاقتصادي المميز بين رأس المال الأجنبي والمحلي والقوي العاملة في إقامة علاقات الإنتاج الرأسمالية في موريتانيا".
وصل افرانسيس دي شاسي، كاتب هذا الكتاب إلى موريتانيا وهو في سن الثلاثين سنة 1964 وقد عمل أستاذا للفلسفة في ثانوية نواكشوط وأستاذ للبيداغوجيا في مدرسة تكوين المعلمين التي كانت قد فتحت منذ وقت قريب وقد ظل يدرس فيها حتى سنة 1970.
لقد اقتتن دي شاسي مثل غيره بالثقافات التقليدية لهذا البلد من أجل فهم هذا المجتمع ودأب الكاتب على القيام برحلات في الداخل أثناء العطل كان يلتقي خلالها بعلماء وحكماء موريتانيين وكان يتحدث معهم عن مجتمعهم وكان يقرأ ما تيسر له من الكتابات بالفرنسية حول هذه الثقافات. وسرعان ما تفاجأ الكاتب بالفضول الفكري الكبير لتلاميذه وبقدرتهم ورغبتهم في التفكير والنقاش الدقيق  والمنهجي حول الإشكالات الفلسفية الكلاسيكية الكبرى وحول الإشكالات التي تخص حاضرهم ومستقبلهم. لقد كان هؤلاء التلاميذ يفوقون في كل هذه الأمور نظراءهم ممن درسهم في فرنسا. من أجل فهم هذه الاستعدادات المدهشة بدأ دي شاسي في اختيار تلاميذه ودراسة، ليس فقط، التربية التقليدية عن كثب (المدرسة القرآنية وامتداداتها العليا) ولكن أيضا كل ما يتعلق بتربية الطفل البدوي تحت الخيمة أو تربية الطفل المزارع الصغير في القرية وكيف ينسجم هذا التعليم مع التعليم المدرسي "الحديث". ولكن وبصفته متعاونا فقد كان أكثر اهتماما بحاضر ومستقبل هذا البلد الصحراوي والساحلي حديث العهد بالاستقلال منه بماضيه: فأي نظام سياسي سوف يعتمده هذا البلد؟ أية سياسة داخلية وخارجية تتناسب مع وضعه الصعب كـ"همزة وصل" بين إفريقيا السوداء وإفريقيا البيضاء"؟ أية إيديولوجيا وأي نهج اقتصادي ملموس سيعتمده في هذا العالم المنقسم انقساما شديدا في ذلك العهد بين معسكر شيوعي ومعسكر رأسمالي؟ استطاع فرانسيس دي شاسي أن يتابع عن قرب ولمدة عشر سنين من التواجد على أرض موريتانيا وأربعة سنوات عقبتها الأحداث والتطورات السياسية والاقتصادية التي تجيب عن هذه التساؤلات والتي كان في الغالب شاهدا مباشرا عليها. ومع ذلك فقد كان دي شاسي ملزما بشيء من التحفظ يمليه وضعه كمدرس ومتعاون. بعد مضي بعض الوقت ومع المعلومات التي حصلها انطلاقا من مراكز الاهتمام المشار إليها أعلاه وبدفع من بعض أصدقائه شرع دي شاسي فيما لم يكن قد قرره سلفا وهو أطروحة دكتورا من 760 صفحة (وهو حجم مألوف في ذلك العهد) وقد ناقش هذه الأطروحة في الصربون في يونيو 1972  ونال عليها تقدير مشرف جدا وقد نشرت في المنشورات الجامعية في ليل Lille تحت عنوان "مساهمة في سوسيولوجيا التخلف، الجمهورية الإسلامية الموريتانية نموذجا".
كانت اللجنة التي أشرفت على مناقشة هذه الأطروحة تتكون من الانتروبولوجي والمتخصص في علم اجتماع افريفيا جورج بالاندييى Georges Balandier  وباحثين آخرين كبار.
قسمت الأطروحة إلى ثلاثة أجزاء تناول كل واحد منها بشكل منهجي على المستويات الاقتصادية والسياسية و التربوية والثقافية إحدى المراحل الثلاثة لتاريخ موريتانيا. تناول الجزء الأول علم إثنيات، كما يقال في ذلك العهد أو انتروبولوجيا البنيات المعقدة للمجتمعات التقليدية البيظانية والهالبولارية (وقدم كمثال أحد المجتمعات الزنجية الموريتانية) وهي البنيات الضرورية لفهم صيرورة هذه المجتمعات. وقد نشر هذا الجزء في شكل كتاب منذ 1976 من طرف أنتروبوس Anthropos. ثم أعيد نشره من طرف لارماثان. Harmattan. تحت عنوان "الركاب المحراث والكتاب" مجتمعات تقليدية في الصحراء والساحل الغربي". المصادر التي اعتمد عليها دي شاسي في هذا الجزء الأول الذي أصبح كتابا هي كما يقول هو في موضع آخر مصادر تم تناولها قبله.
هذا العمل هو محاولة تأمل وتلخيص لكل ما كتبه المثقفون الموريتانيون عن هذه المجتمعات باللغة الفرنسية أو ما ترجم إليها على الأقل، وما كتبه الإداريون والضباط الاستعماريون في CHEAM (مركز الدراسات العليا لإفريقيا ومدغشغر) وما كتبه المتخصصون الرسميون من أمثال بول مارتي Marty وكادن., Gaden .إلخ. وقد أجرى الكاتب أيضا مقابلات مطولة مع حكماء وعلماء من أمثال المختار ولد حامد وولد أباه وغيرهما من الشباب اللامع في الترارزة خاصة وآدرار.
بعد ذلك رأي الكاتب بما أنه كانت له نظرة ناقدة وباردة حول هذه المجتمعات المستعمرة والمستقلة في موريتانيا فإنه ربما يعطي من خلال هذا الكتاب رؤية مثالية إلى حد ما وعقلانية عن هذه المجتمعات التقليدية. ذلك ما يعكس بدون شك حماس اكتشافه للضيافة التي تلقاها ولكن أيضا وبشكل أخص "علاقة الزوايا بالمحاربين".
جمع الجزآن الآخران من الأطروحة في كتاب آخر نشر أولا سنة 1978 لدى انتروبو "موريتانيا من 1900 على 1975 ثم نشر بعد ذلك لدى لازمانان 1984 وهو الذي قدمنا ترجمته أعلاه.


Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire