القبائل الإثنيات والسلطة فى موريتانيا / لفليب مرشزين

القبائل والاثنيات والسلطة فىى موريتانيا

ترجمة الدكتور محمد بن بوعليبة بن الغراب





بعد ترجمة رحلات المستكشفين ماج ودلز وفنسان ورحلة منغو بارك فى وسط إفرقيا، وإمارة آدرار لبيير بونت وموريتانيا من سنة 1900 إلى 1975 تأتي ترجم كتاب القبائل الإثنيات والسلطة فى موريتانيا لفليب مرشزين يناير 2014. وقد تم سحب هذا الكتاب بدعم من التعاون الفرنسي وجامعة أنواكشوط وصندوق الضمان الاجتماعي.
ولقد كان اختيار المؤلفين الثلاثة يبره أن الانتروبولوجي بيير بونت دراسات مطولة للبنيات الاجتماعية والسياسية الموروثة عن العهد قبل الاستعماري (الإمارات) وقبل الاستعماري. وقد كان العمل الذي قدمه حول إمارة آدرار يقع في منطقة التماس ما بين الانتروبولوجيا والتاريخ وكان يتناول في شكل أحادي الموضوع معظم القضايا الكبرى التي تهم مجتمع البيظان من حيث إرثه منذ فترات تاريخية قديمة ومن حيث التحولات التي يشهدها الآن.
وفرانسيس دي شاسي باحث في علم الاجتماع ومهتم بالنظام التربوي وتشكل "النخب" في موريتانيا خلال مرحلة الاستعمار والعقدين اللذين عقبا الاستقلال. ويقدم كتاب دي شاسي عرضا شاملا للبحوث الاجتماعية، وهي في الحقيقة لا تزال قليلة في مرحلة الاستعمار هذه، وفي المرحلة التي سبقت الاستقلال مباشرة وهو يقدم نظرة جديدة عن بلد لم يكن معروفا إلا من خلال الأعمال التي نشرت خلال المرحلة الاستعمارية وهي قليلة هي الأخرى.
لقد جعل التعليمُ الذي يقدمُ بالدرجة الأولى في هذا البلد بشكل متزايد باللغة العربية حتى في الجامعات، جعل من الصعب على الباحثين الوطنيين الولوج إلى أعمال ساهمت، مع ذلك بشكل كبير في وضع النماذج النظرية التي يعتمدون عليها في بحوثهم الخاصة. وبصفة عامة فإن المنشورات باللغة العربية لا تزال ناقصة وهي التي من شأنها أن تسهل عليهم استخدام المفاهيم والمناهج المتداولة في تخصصات العلوم الاجتماعية والإنسانية. إن هذه الملاحظة هي التي كانت وراء فكرة مشروع ترجمة الكتب المكتوبة باللغة الفرنسية عن موريتانيا عله يساهم في كسر حاجز اللغة وفي تطوير البحوث الوطنية في هذه المجالات.
 إن الهاجس الذي يحفزنا على هذه الترجمات هو أن نضع في متناول الباحثين والقراء بصفة عامة المراجع العلمية المكتوبة حول موريتانيا من قبل جامعيين فرنسيين. وإن أهمية هذه الترجمات تكمن أولا في اكتمال المعلومات التي من شأنها أن توفرها حول البحوث في العلوم الإنسانية والاجتماعية للباحثين الموريتانيين والناطقين بالعربية والطلاب المهتمين بالبحوث حول بلدهم والحريصين على الإسهام في تنميته.
إن ترجمة هذه الكتب التي حررها أساتذة جامعيون وباحثون فرنسيون بارزون قد عاشوا بيننا لفترات طويلة وقد أتاح لهم ذلك الاطلاع على كم هائل من المعلومات والوثائق المختلفة والمتعددة المشارب تسمح للقارئ الموريتاني أن يطلع على هذه الدراسات الغنية والمتنوعة عن بلده. إنها أعمال كتبت فى شكل بحوث علمية حول مختلف قضايا المجتمع ولها مزية أخري وهي كونها حررت من طرف أجانب مما جعلها تكسرها محظورات يتردد الباحثون الوطنيون دائما فى التعرض لها.
ورغم الجهود المشكورة على مستوي التحليل وغني المراجع تبقي هناك هنات يدركها القارئ الفطن العارف بالمجتمع وبتاريخه. وهذا يعطينا نحن الموريتانيين الفرصة والحوافز للكتابة عن تاريخنا ودراسة مجتمعنا. إن ترجمة هذه الكتب وربما كتبا أخرى فى المستقبل ترتسم فى إطار مشروع من شأنه أن يضع بين أيدي للباحثين والقراء بالعربية بحوثا مرجعية. وما ترجمة كتاب مرشزين القبائل والإثنيات والسلطة فى موريتانيا وغيره إلا تجسيدا لها. ونظرة فقط إلي المراجع تظهر بجلاء ندرة المقاربات العلمية حول ظواهر ممثل السلطة فى موريتانيا حتي السبعينات.
هذا الكتاب هو دراسة لنشوء وتطور دولة موريتانيا بمفهومها الحديث حيث كانت بصمات المستعمر واضحة من خلال النظام الإداري الموروث عنه، كما يبين كيف رسخت الأجيال الموريتانية المتعاقبة هذا النظام وطبعته بطابعها الخاص، وكيف مارست هذه الأجيال العمل السياسي انطلاقا من قيم قبلية وجهوية وفئوية ظلت حاضرة لدي النخبة السياسية.  وقد تمسكت الأنظمة السياسية المتلاحقة بهذه القيم والممارسات حيث جعلت من المحاصّة والتوازنات القبلية والفئوية أداة "استقرار" للأنظمة بدل اعتماد آليات وأساليب في الحكم تفضي إلي استقرار أساسه التنمية والعدالة. وتبقي المحاصّة في نهاية المطاف-وإن كانت حققت وستحقق لبعض الحكام البقاء فترة من عمر الدولة، ولبعض المواطنين ممن ساحوا في نعمها وزراء أو مدراء إلخ ..–تبقي لغما يهدد وجود الدولة ووحدة شعبها، وعائقا في وجه التنمية. فالمحاصّة تغيب الأساليب الكفيلة ببناء دولة حديثة تختفي فيها أو تميل إلي الاختفاء تلك التراتبيات الاجتماعية التي غيبت شرائح عريضة من المجتمع عن ممارسة حقها في المواطنة الكاملة كما غيبت الكفاءة وقيم النزاهة في تسيير الشأن العام. وقد نمت في ظل هذه المحاصّة منذ عهد الاستعمار أبشع المظاهر المعيقة للتنمية كالرشوة والزبونية والمحسوبية، فلم تعد الوظائف السامية ومراكز القرار ذات التأثير علي مصير الدولة إلا قطعا من الكعك يوزعها الحاكم وفق مبدأ مقايضة الولاء بالسلطة والنفوذ (إذ لا عبرة بالكفاءة). وقد نجمت عن المحاصّة السياسية محاصّة في الاقتصاد والثروة بشكل عام.  هذه هي حال معظم أحكام إفريقيا، وكثير من دول العالم الثالث ولا تستثني من ذلك الأحكام التي اتخذت من الأيديولوجيات القومية والاشتراكية شعارات لأن التاريخ كشف أن كثيرا من الحكام الذين تستروا وراء قناع الإيديولوجيات ذات التوجهات الوطنية لم يكونوا في الواقع إلا مستبدين وكانت نظمهم تخفي ممارسات بشعة، طائفية و جهوية و قبلية.
إن هذه الدراسة وغيرها من الدراسات التي تتخذ من التاريخ السياسي موضوعا لها تمثل إنذارا للحكام المستبدين وللنخب التي توطد أنظمتهم  كما تشكل توثيقا للأحداث ومادة تسهم في وعي الشعوب بتاريخها. ومن المؤسف أن يكون ذلك التاريخ تاريخ ظلم واستبداد ومن المؤسف كذلك في بلد لا زال يلتمس طريق نهوضه أن يتخذ من ذلك الظلم والاستبداد ذريعة أو مبررا للتشاؤم والتطرف.
ينقسم الكتاب إلى أقسام ويتتبع فيه مرشزن التاريخ السياسي لموريتانيا محللا العلاقات بين القبائل بين القبائل والإثنيات من جهة والسلطة.
القسم الأول المعنون المجتمعات والسلطات التقليدية ينقسم إلى ثلاثة فصول. فى هذا القسم يعرض الكاتب المجتمعات التقليدية البيظانية والزنجية وذلك لغرض تسليط الضوء على جذور المجتمع والدولة الموريتانية. ويسخر الفصل الأول لدراسة المجموعة البيظانية وتاريخها وتأثير البيئة وانعكاساتها الاجتماعية والاقتصادية، والتراتب الاجتماعي والنظام السياسي والإسلام كأساس للقيم الاجتماعية.
وفى الفصل الثاني المخصص لإقليم الزنوج يعرض المعطيات الاقتصادية  والتراتب الاجتماعي والنظام السياسي والإسلام وتأثير الاستعمار. أما الفصل الثالث فقد ركز فيه علي المقارنة بين المجتمعات التقليدية البيظانية والزنجية. مقارنة سمحت له بإبراز القواسم المشتركة وكذلك الفروق  الكائنة والتعارض والتكامل بينها.
أما القسم الثاني من الكتاب والذي حمل العنوان نشأة الدولة دولة ذات استقطاب متغير، ففيه يعالج الكاتب اتخابات 1946 وانتخابات 1951 وإنشاء الدولة 1956-1961. والتهديدات الخارجية  ومشروع LOCRS والمغرب الكبير ونظام المختار ولد داداه ومسلسل تركيز السلطة والصراع علي شكل الدولة وحزب الدولة وأولوية الحزب على الدولة والنزاعات العرقية وإعدام محاولة الدولة الوطنية والصراع الاجتماعي ... وحرب الصحراء ونتائجها وتبدد مساندة المختار ولد داداه وانقلاب 10 يوليو 1979.
ابتداء من سنة 1978 تتالت " الانقلابات العسكرية أو ثورات القصر أو محاولات انقلاب بوتيرة مرتفعة. إنها فترة عدم الاستقرار السياسي ". إنها سنوات قليلة حتي يسجل العسكريون الموريتانيون رقما قياسيا فى عدم الاستقرار السياسي للأحكام الإفرقية المعاصرة". المصطفى ولد محمد السالك محمد خونا ولد هيدالة معاوية ولد سيد أحمد الطايع. وزيادة على عدم الاستقرار هذا فقد رجعت الظاهرة القبلية . " في الحقيقة بما أن القبلية معطى ثابت في الحياة السياسية الموريتانية، فإن الأمر يتعلق أكثر بزيادة في حدة المسلكيات القبلية منذ 1978 أكثر مما هو عودة فجائية لمسلكيات من النوع التقليدي. ظلت الظاهرة القبلية موجودة دائما في ظل نظام المختار ولد داداه غير أن تجلياتها كانت محتشمة نسبيا. وعلى خلاف ذلك فإن علامات رجوع القبلية واضحة للعيان منذ 1978"
إن الفصل الأخير من هذا القسم قد خصص لطبيعة الدولة وهنا يركز الباحث علي طغيان وحالية  العامل القبلي فى الحياة السياسية الموريتانية مستندا على معطيات إحصائية.
وفى القسم الثالث المعنون صناع الهيمنة  يخصص مرشزين فصلا للطبقة المهيمنة ويتحدث عن البيروقراطية وعن الأوساط المالية وعن طبيعة هذه الطبقة الحاكمة والسنريوهات التي تقوم بها بغية البحث عن الهيمنة. وأما الفصل الثاني من هذا القسم فقد خخصه لطرق ممارسة الهيمنة متحدثا عن الإكراه على المستوى المؤسسي والثروات الرمزية أو الشرعية . وأما الفصل الثالث من هذا القسم فيعرض من خلال خارطة للمجموعات والحركات السياسية التي عرفتها موريتانيا منذ انفتاحها على الحياة السياسية المعاصرة وحتي منتصف التسعينات.
ويخصص مرشزين  الفصل الأخير لبعض أنماط العمل السياسي الشعبي التي تعبر عن انتقام المجتمع من الدولة من خلال حركات الرفض. وفى هذا يحلل الكاتب التعبئة الشعبية  قبل أن يختم بحثه الذي بدأه بأهمية العنصر الإثني وإحياء القبيلة.



Aucun commentaire:

Enregistrer un commentaire